علي الهجويري

198

كشف المحجوب

وقد تحادثت معه كثيرا في مسائل روحانية . وإذا أردت أن أبين مشاهده العالية عجزت عن المقصود هنا . واللّه أعلم . 10 - ومنهم رئيس الأولياء ، وناصح أهل الصفاء ، أبو محمد المظفر ابن أحمد بن حمدان بينما كان جالسا على مرتبة الرئاسة فتح اللّه له باب أسرار التصوف ، وأكرمه بتاج الكرامة . وكان يتكلم بدقة نظر ، وفي الفناء والبقاء . قال الشيخ أبو سعيد : « وصلت إلى حضرة اللّه تعالى بطريق العبودية ولكن الخواجة مظفر وصل إليها بطريق الرئاسة » . يعنى أنني بلغت درجة المشاهدة بالمجاهدة بينما وصل هو إلى المجاهدة عن طريق المشاهدة . وسمعته يقول : « ما ناله كبار المشايخ بعد قطع الفيافي والقفار قد نلته وأنا جالس على كرسي الرئاسة » . إن بعض الجهلة والمغرورين ينسبون هذا القول إلى الغرور ، وليس من الغرور أن يبين الإنسان خصوصيته ، وبخاصة إذا كان القائل أهلا لها . وقد أكرمه اللّه تعالى بخلف صالح في السيد أحمد . وقد كنت ذات يوم في مجلسه ، وكان أحد المدعين من أهل نيسابور يقول : « يكون المرء فانيا حين يصير باقيا » ، فقال الخواجة مظفر : « كيف يأتي البقاء بعد الفناء ؟ إن الإفناء هو العدم والبقاء هو الوجود ، وكل معنى ينافي الآخر . إنا نعرف ما هو الفناء ولكن إذا لم يكن فناء وأصبح بقاء فقد حقيقته ، والحقائق لا تحتمل الفناء . أما الصفات فإنها يمكن أن تفنى ، وكذلك الأسباب ، وحقيقته لا تحتمل الفناء » . ولم أحفظ الألفاظ التي عبر بها الأستاذ ولكن هذا كل معناها ، وسأبين لك ما كان يقصده جليا حتى تكون مفهومة على العموم . إن اختيار الإنسان صفة من صفاته ، يكون محجوبا بها عن اختيار اللّه ، لذلك كانت صفاته تحجبه عن اللّه ؛ والمعروف أن الإرادة الإلهية أزلية ، والاختيار الإنسانى حادث ؛ وما كان أزليا لا يفنى ، وإذا كانت الإرادة الإلهية بالنسبة للإنسان باقية ، فنيت إرادته ، وفقد دافعه الشخصي . واللّه أعلم بالحقائق .